الكنيسة الأرثوذكسية
 

موقف الكنيسة الأرثوذكسية من وهب الأعضاء

الإيكونوموس جورج ديماس

خذوا كلوا هذا هو جسدي

إن المسيح لأجل خلاصنا وفي الليلة التي فيها أسلم للصلب وفي العشاء الأخير مع تلاميذه، كسر الخبز وأعطى  قائلاً: خذوا كلوا هذا هو جسدي الذي يكسر لأجلكم للحياة الأبدية. عمل الفداء كان عبر إعطاء آدم الساقط جسداً جديداً ليحيا. وهب الأعضاء لتزرع في جسد عليل يشبه عمل السيد الخلاصي.

من هذا المنطلق وفي جلسته المنعقدة بتاريخ التاسع من تشرين الأول 1996 اتخذ المجمع الإنطاكي المقدّس موقفاً ايجابياً من زرع الأعضاء. وقد بنى القرار على أساس أن الإنسان كائن له كرامته لأنه على صورة الله ومثاله، فلا انفصام بين جسده وروحه. ليس للإنسان روح، إنه روح حيّة  Ame vivante  وليس للإنسان جسد إنه جسد حيّ  Ina. هذه الوحدة التي لا تنفصم تشكل جوهر الطبيعة البشرية وهوية كل فرد وخصوصيته. من هنا لا بد من مراعاة خصوصية واحترام كرامة هذا الكائن الفريد أثناء أية معالجة لجسده، لأنه لولا هذه الفرادة والخصوصية لكان الإنسان غباراً كونياً تذريه الريح. الكنيسة بحسب قول الرسول بولس تؤكد أن الجسد مقدّس لأنه هيكل الروح القدس، به نحيا ونتحرّك. ويتم التعبير عن هذا التقديس للجسد في مسألة وهب الأعضاء عبر احترام الأمور التالية:

  1. أن الإنسان الحي يوصي بكل حرية بتقديم أعضائه.
  2. تعتبر تقدمة الأعضاء عطاء وتضحية شرط الاّ يؤذي الإنسان نفسه.
  3. لا يمكن في أية حال من الأحوال أن تصبح الأعضاء سلعة تجارية لأن الواهب لا يعطي شيئاً يخصّه بل شيئاً من ذاته.
  4. يكون زرع الأعضاء بهدف معالجة الإنسان لما فيه خيره وخلاص نفسه عبر احترام الطبيعة البشرية وحدودها، إذ ليست الحدود المقبولة هي الحدود العلمية والتقنية فقط.
  5. إن موافقة الواهب والمتلقي الحرّة والصريحة شرط جوهري لا يمكن تخطيه في أية حال من الأحوال.
  6. في حالة وفاة الواهب المفاجئة فإن الوصي على الميت يتخذ القرار على الاّ يكون أي بدل مادي في المقابل.
  7. في حالة غياب المتلقي عن الوعي أو الإدراك فإن على الوصي عليه أن يتخذ القرار.
  8. بالنسبة للأعضاء الحيوية (كالقلب مثلاً) لا يمكن أن يتم الوهب قبل التأكد من الوفاة ولا تتخذ الكنيسة قراراً بتحديد زمن الوفاة إنما تترك ذلك للطبّ بشرط أن تكون الوفاة نهائية وغير موضع شك.
  9. لا يتم وهب الأعضاء بناء على سلّم أفضليات (كالسن والدين والعرق والجنس والفاعلية أو المكانة الإجتماعية) إنما بحسب موافقة الحالة وشروط المناعة فقط، وبحسب أولوية تقديم الطلب في حال وجود أكثر من حالة تنطبق عليها مقوّمات الإستجابة لتلك الشروط.
  10. لا تجد الكنيسة مانعاً أخلاقياً في زرع الأعضاء عبر إخصاب الخلايا التي تكوّن أعضاء بشرية أكانت من مصدر حيواني أو بشري  Qxeno Transplant  بشرط ألا يؤدي الى تشويه وحدة الطبيعة البشرية وكذلك شرط الا تنتج عن عمليات استنساخ لأجنّة بشرية بهدف زرع أعضائها في أجساد مريضة.

لا بد من الإشارة أخيراً الى أن إحجام الإنسان عن وهب أعضائه يتعلّق بالوعي الإجتماعي العام القائم في بلدنا. لا بد من إدخال هذه الفكرة عبر تربية الناس على تعاط مختلف مع أجسادهم. هناك نوع من العبادة الصنمية للأجساد تستمر حتى ما بعد الموت. إن المجتمع الحديث يركّز كثيراً على أهمية الجسد من الناحية الشكلية، كما أن الصحة والحال تتمازجان في كثير من الميادين (الجراحة التجميلية، تخفيف الوزن...). لا بل أن الحملات الإعلانية عن كثير من البرامج الصحية أو الأدوية تعد بالحياة الأفضل أو الأطول! إضافة الى كل ما يتعلّق باستئخار الشيخوخة. هذا النمط من التعاطي الطبي بموضوع الصحة يساهم كثيراً في تشويه لا صورة الطب فحسب (فالطبيب يعد بمحاولة أقصى جهده الممكن-تقنياً وانسانياً- لمعالجة المرض، دونما أن يلتزم بحتمية الصحة) هذه النرجسية في تمجيد الجسد تعاكس على صعيد الوعي المجتمعي كل محاولة لتشجيع وهب الأعضاء. من يهب عضواً من أعضائه يتربى يومياً على تخطي ذاته، حتى أنه لا يحسب تخلّيه عن جزء من كيانه وكأنه عطية منه أو ملكاً خاصاً تنازل عنه. أجسادنا هبة مؤقتة لنا من الله فمن أخذ مجاناً مجاناً يعطي دون أن يحسب في ذلك لنفسه فضلاً.

إن وهب الأعضاء عمل إنساني نبيل ينبغي تشجيعه ليس فقط لأنه يعيد الصحة للمريض ولكن لأنه تعبير عن محبة فائقة قادرة أن تكون أقوى من الألم والموت.

 

عطاء ما بعد الموت

الأب مكرديتش كشيشيان

ربما يستغرب البعض هذا العنوان، أو يسخر، لكن تمهّل. اقرأ اوّلا وفكّر، ثمّ استغرب أو اسخر أو عكس ذلك تمامًا. نعمة العطاء الممنوح هبة للإنسان من الخالق، تجعل منه مخلوقًا ساميًا، راقيًا، معطاءًا، مشاركًا اللآخر في مآسيه وآلامه. هذه النعمة هي قمّة عيش وتجسد المحبّة في الناس، فالربّ يسوع أحبّ واعطى ذاته حيّا، قربانًا للناس لخلاصهم. وأوصى بالمحبّة والعطاء.

تسأل وتفكّر. ماذا اعطي وهل لي القدرة على العطاء؟

ليس لي المال الكافي للأعيل عائلتي،

راتبي الشّهري بالكاد تكفيني،

معك حقّ. لا نطلب منك فلس الأرملة ولا لقمة اطفالك، ومع ذلك يمكنك أن تعطي الكثير.

  • يمكنك أن تمسح دمعة متألّم مظلوم.
  • يمكنك أن تزرع ابتسامة على خدّ بائس موجوع
  • يمكنك أن تشارك عمليًّا في برنامج خيري
  • يمكنك أن تساهم بفكرك وأفكارك خدمة للإنسان والرقيّ به
  • يمكنك أن تعطي نقطة دمّ وتنقذ حياةً
  • يمكنك أن تهبّ كلوة وتعيد أمل الحياة

يمكنك.. ويمكنك.. ويمكنك.. كل هذا في حياتك على الأرض.. لكنّ هل فكّرت يومًا إذا اصاب مكروهًا ما أحد أحبّائك، إنّه من أين يجب أن أحصل على قلب كي أنقذ حياته...

هل تأمّلت عذابات حبيبك أو قريبك وهم في ساعة انتظار وآلام ووجوع كى يأتي دورهم ليقوموا بغسل الكلى.

من أين ستأتي برئة وعيون و..و..و..

يمكنك أن تحصل على كلّ ذلك لك ولمن تعزّ وتحبّ بأن تشترك معنا في البرنامج الوطنيّ لوهب الأعضاء.

نعم يا صديقي المؤمن. الربّ اعطى نفسه حيًّا... وأنت يمكنك أن تهبّ من جسمك بعد وفاتك أعضاءًا لست بحاجة لها. فكّر في أن تحوّل جسمك من ترابٍ إلى وسيلة حياة لعدّة أشخاص.

  • هب قرنية عيونك فتحوّل الظلمة الدائمة إلى نور يبارك
  • هب قلبًا ويستمرّ قلبك بالنبض عند من ينتظره الموت
  • اعط كلية وامنح صحّة
  • اعط رئة فتتنفّس راحة وطمأنينة

فالطفل الذي فقد الرؤية في المدرسة بسسب العراك مع صديقه يمكن أن يكون أحد أبنائك.

العروس الصبيّة التي تريد أن تلد طفلاً وتمنح حياةً لتكون أمًّا... علّة القلب تحول دون ذلك. قد تكون أختك أو زوجتك.

الزوج الذي أصابه سكتة قلبيّة يحتاج لقلب قد يكون أخاك أو زوجك أو ربّ أسرتك.

اعطي ولا تسأل لمن.

هب الآن لتكسب في الآخرة.

ربما تقول "وماذا أستفيد؟"... مادّيًّا لا شيء. معنويًّا روحيًّا الكثير الكثير.

  • تستمرّ حيًّا في حياة الآخرين
  • تنهال عليك البركات والأدعية
  • تكسب رضى عند الخالق
  • ترفع عن روحك الآثام الكثيرة وتنال حظوة في السماء

تأمل في الفرح. الفرح الذي ستعطيه لغيرك من طفل وامرأة وعائلة وربّ أسرة. تذكّر حبّك الاوّل... عندها كنت مستعدًّا لتفديها بحياتك كي تحبّك، كي تتبادلوا المحبّة والفرح.

كنت مستعدًّا لتفدي شبابك من أجل الحبّ... فها هنا ميدان جديد للفرح.

الجثّة لا تحتاج إلى أعضاء.

أعضاء الجثّة تهبّ الحياة والفرح. كن شجاعًا واعطي الفرح لآخاك في الإنسانيّة. كن مؤمنًا واشرك الآخر في ما عندك حتّى بعد مماتك.

ففي هذا العطاء تكون قد ملاءت سلّة سفرك الروحيّة بزوّادة هي خير ما تقدّمه للربّ يسوع يوم لقائك معه...

 

وهب الأعضاء في العقيدة  الأرثوذكسية

أما موقف الكنيسة الأرثوذكسية من وهب الأعضاء فتنص على أن إنقاذ حياة إنسان أمر لا يتعارض مع الدين وتلفت مصادر فيها الى أن "استخدام العلم من أجل حياة الإنسان لا يتعارض مع الدين كذلك فالعلم نفسه هبة من الله والعقل البشري هبة من الخالق ويمكن استخدامه للخير وليس للشر".

وتشدّد الكنيسة على ضرورة عدم بيع الأعضاء بل وهبها من دون أي مقابل مادي لأن الله أعطى لجسد الإنسان كرامة خاصة "ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح".

"أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم، الذي لكم من الله"، فأعضاء الإنسان ليست للبيع والشراء فهي ملك الله. لكن الرب يدعونا الى أن نحب بعضنا بعضا وأن تكون محبتنا محبة عملية "لا تحب بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق" وقمة المحبة هي بذل الذات لأجل الآخرين. "ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه" فإن كان لا يجوز للإنسان أن يبيع عضوا من أعضائه للحصول على مبلغ من المال فإنّ التبرّع بها لإنسان مريض هو عمل نبيل.

وقداسة البابا شنوده الثالث يقول: "فإن كان الحب يمكن أن يصل الى البذل والبذل يمكن أن يرتفع الى مستوى بذل الذات فالذي يبذل نفسه من أجل الآخرين ما أسهل أن يبذل عضوا من أعضاء جسده من أجل الآخرين".

من ناحية ثانية تنفي مصادر الكنيسة الأرثوذكسية مقولة ضرورة تبرع المسيحي لشخص مسيحي فقط "لأن التبرّع بالأعضاء هو عمل محبة يرتفع الى مستوى البذل والمحبة المسيحية عميقة لا تعرف حدودا ولا يعوقها اختلاف في الدين أو العقيدة او الوطن. فالمحبة المسيحية التي تدفع الإنسان الى التبرع بعضو من أعضائه تنظر الى حاجة المريض من دون النظر الى عقيدته أو دينه".

وتؤكد الكنيسة أنّ نقل عضو من ميت الى حي لا يهين كرامة الميت لأنّ أعضاء الإنسان بعد الموت كلّها يأكلها الدود وتتحول الى تراب فمن الخير أن ينتفع إنسان بعضو من أعضاء شخص انتقل من عالمنا الحاضر ليحيا بهذا العضو بدلا من أن يأكله الدود ويتحول إلى تراب.

وتضيف: إن وجود هدف نبيل من نقل عضو من الميت يزيد في كرامة الميت لا العكس ولفتت المصادر الى ضرورة التأكد من موت الشخص قبل نقل العضو و"لقد اتفق الطب على أنّ علامة موت الإنسان هو موت المخ وهذا أمر يوافق عليه الدين".

وختمت مؤكدة على الدعوة الى "تشجيع الناس كي يوصوا باستخدام اعضائهم بعد الوفاة لإنقاذ حياة المرضى".